ملتقى الهوية والحداثة

يدمج «ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي» في دورته الجديدة بين أنواع مختلفة من أشكال التعاطي الثقافي والفني، تحت عنوان كبير هو (الهوية والحداثة)، فهو أولاً يناقش موضوع (قصيدة النثر: العلاقة مع التراث تواصل أم قطيعة) ثم يتطرق للسرد في علاقته مع الفنون الأخرى، ويبحث أشكال هذا التفاعل وضروراته، وجمالياته المقترحة، ومن جهة أخرى، يتطرق لأبي الفنون، وهو «المسرح» ويطرح أسئلته من خلال بعض النصوص المكتوبة، وهذه الموضوعات في تلاقيها أو تقاطعها، إنما تشكل مكونات أساسية من مكونات التفاعل الإبداعي من خلال السرد، بوصفه ذلك الفضاء الذي يجمع بين أنواع مختلفة من الأجناس الأدبية، كالرواية والقصة والشعر والحكاية، فالسرد من وجهة نظر نقدية، هو تقنية في الكتابة تختلف عن الشعر، والشعر اتجاه يرصد الحكاية ومضامينها، كما يلعب على تأثير الكلمة وإيقاعها في السامع، كما أن التداخل بين هذه العناوين، هو أشمل وأوسع، ولكل أسلوبه، سواء كان الجنس الأدبي رواية أم شعراً، وعبر التاريخ استفاد الشعر من السرد، كما استفاد السرد من الشعر، وكانت المقامة في المقابل، هي حكاية تستخدم الإيقاع أو توازن الجمل الإيقاعية في الشعر، وتأثير الشحنة النفسية في الكلام أو اللغة.

ويرى البعض أن الرواية، وهي ذلك السرد النثري الطويل، التي تصف شخصيات خيالية وأحداثاً على شكل قصة متسلسلة، كما أنها أكبر الأجناس القصصية من حيث الحجم وتعدد الشخصيات وتنوع الأحداث، أنها أجمل فنون الأدب النثري، والأكثر حداثة في الشكل والمضمون، وهي حاضرة في الملتقى، من خلال أبحاث رصينة تدرس تطبيقات هذه الرواية في أعمال لكتّاب مرموقين، كما هو عند د. نانسي إبراهيم التي تدرس مرايا التَجلِّي في رواية «الزيني بركات» للراحل جمال الغيطاني، هنا، يحضر السرد بوصفه صورة من أهم صور أشكال التفاعل على الساحة الإبداعية، متمثلاً في اختيار نموذج يجسد قيمة سردية إبداعية كبيرة، ويعكس بعض الصور والحياة في البيئة المصرية.

هو ذات السرد، الذي يصلح نموذجاً لنقل فنون مختلفة من ألوان الحكاية، وهو الذي يؤكده الملتقى، بالتأكيد على جماليات وعوالم الأدب الذي يتكئ على السرد، من خلال اللغة معنى ومبنى كما تمت الإشارة إليه في بحث د. عمر عبد العزيز، حيث يتميز السرد هنا، بأنواعه القصيرة والطويلة في اعتماده الكبير على فن التعامل مع اللغة المقرونة بالحكي والخيال، ومن حيث استيعابه لأشكال من التصوير الواقعي والما ورائي، بما يتمتع الأديب منتج النص من قدرة على التداعي الحر النابع من دفق المشاعر، والقدرة على تثوير ملكة الصنعة الفنية عند الكاتب.
تطرح عناوين الملتقى من خلال التفاصيل، موقع الإبداع الخليجي ما بين الخصوصية المحلية والعلاقة مع التراث والحاضر والمستقبل، وتطورات الأدب ومستجداته على الساحة الخليجية، وهو يطمح للتركيز على طروحات إبداعية جديدة، لم تكن حاضرة في الدورات السابقة، ومنها أسئلة النص عندما يتحول إلى عمل سينمائي أو درامي تلفزيوني، ومن خلال النص المسرحي المحلي، بوصفه ناتجاً عن عمل سردي إبداعي، وغيابه عن الساحة بسبب لجوء المسرحيين نحو النصوص الأجنبية المترجمة.
في مثل هذا التوجه، يستدعي الملتقي، من باب آخر مقولات وطموحات جيل الطليعة من المسرحيين في العالم، فيما يخص قدرة المسرح على تغيير الواقع، وهو سؤال يتعلق بصلب فاعلية الفن والمسرح، وهو السؤال الذي يجد صداه في راهن التحولات السياسية والاجتماعية التي نعيشها اليوم.. والمسرح بتجسيده على الخشبة هو مكون فني وجمالي متعدد المستويات.
الشعر من جهة أخرى، بوصفه حاضراً من خلال الأمسية الشعرية التي يشارك عدد من المبدعين الخليجيين والعرب، يقدم قراءة أخرى، في المستوى الدلالي والجمالي من خلال محمول اللغة، وهو الذي يؤكد إنسانية الإنسان، حتى من خلال تطور شكل القصيدة، وصولاً إلى «قصيدة النثر» التي تؤكد الاختلاف والابتكار، وتكاد تتواصل مع الأصالة بأشكالها المختلفة، سواء من خلال التراث أو استدعاء أشكال مختلفة من الأساطير والحكايات وتوظيفها في بنية شعرية قابلة للتماهي مع السرد في مسعاه الجمالي والفني والحضاري.

– See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/aa4d5dc3-4c13-40f5-a1f0-48536bb3ff75#sthash.5apdorYC.dpuf


شارك هذا:

admin